عن الدولة الإسلامية وكيفية ابرازها لنفسها

تابعت لعدة ايام فيديوهات حمّلتها داعش على قنوات عناصرها على موقع يوتيوب، من مقاطعهم عمّا اسموه بالحسبة (نسخة طبق الأصل عن هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية) الى تقاريرهم عن مدارسهم الدينية ونشرهم للـ”دين القويم” (الوهابي بإمتياز) مررورا ببطولاتهم واستعراضاتهم التي سفكوا فيها دماء المدنيين و”جنود الطاغوت”، كما اسموهم، في مصر وسوريا والعراق،  الذين صنّفوهم بإما روافض (التسمية الوهابية للشيعة) وإما  مرتدين (التسمية الوهابية للسنة الذين لا يتبعون مدرسة ابن عبد الوهاب)، وصولا الى مقابلاتهم مع “جنود الخلافة” المرابطين على “ثغور المسلمين” (الذين اتوا مهاجرين الى الدولة الحلم من كل اصقاع الأرض). وهنا استثني مقاطع الاعدامات التي تجنبت مشاهدتها اصلا.

Untitled

مقاطع الفيديو هذه وغيرها من الوسائل هي نافذتنا المطلّة على ذلك العالم، على واقع يحدث مع كتابتي لهذه السطور وقراءتك لها. هي ليست احلاما، كما انها ليست ببعيدة عن بيت اي عربي. النقاط الست التالية هي اهم ما تبرزه المقاطع الداعشية المتوفرة للجميع:

  • ممرك الى العصور الوسطى: قد تكون راية داعش السوداء التي تمثل احدى رايات الحقبة التاريخية الأولى للإسلام خير دليل على ان قادتها وعناصرها يريدون بناء دولة على “منهاج النبوة” كما رأها سلفهم الصالح، او بمعناً أخر، كما رءاها ابن تيمية (الذي سجن ومات في السجن بسبب تطرّفه واستحلاله لدماء البشر). ثيابهم، لحاهم الطويلة الكثّة ، كلامهم، مفرداتهم، وغيرها من التفاصيل توحي للمشاهد ان احداث الفيديو تدور في القرن السابع او الثامن. ولولا وجود السيارات والاليات العسكرية وبعض المعدات الالكترونية في الخلفية، لظننا انهم فعلا يعيشون في ذلك الزمن.

  • سبلهم الدعائية لإستجلاب المقاتلين: تتغدغ داعش مشاعر العرب والمسلمين وتعزف على اوتارهم الحساسة في سبيل تحويل عواطفهم باتجاهها. فتارة يخاطب داعشيّ مصري اخوان مصر لحثهم على حمل السلاح والاقتداء بـ”اخوانهم” في سيناء لمقاتلة جيش “الردة” المصريّ، الذي انتمى هو اليه في يوم من الايام ويعلم ما يعانيه المجندين من “الذلّ والانكسار”، في سبيل دحر “فرعون مصر” ومقاتلة اليهود وتحرير الأقصى. وتارة يخاطب كهل مغربيّ ابناء المغرب بترك “ارض المذلة” والتوجه الى ارض الكرامة لمقاتلة ملّة الكفر متسلحا بحديث ” انفروا خفافا وثقالا”. وتارة اخرى تجد عناصر الحسبة يسعون لأخذ مال “الغنيّ” لإعطائه للفقير كنوع من استجداء رضا فقراء العرب، وتجدر الإشارة هنا الى ان الغني في القاموس الداعشي هو ليس الا فقيرا آخر، فعلى سبيل المثال قام عناصر الحسبة في احد المقاطع بأخذ ما لا يقل عن عشرين رأسا من الماشية من احد الرعاة كزكاة عن قطيعه الكبير الى حد ما، فمن اصناف اغنياء القرن السابع مُلّاك القطعان الكبيرة. وتارة تجد احد الدواعش يُسقط سايكس بيكو ويُعلن ان حدود دار الاسلام هي حدود الدولة، وتوسعها هو بالتالي هدم لإتفاقية التقسيم. هذا غيث من فيض الدعاية الداعشية والاساليب الذكية في جذب اكبر عدد ممكن من المقاتلين.

  • استخدامهم الاطفال: يمرّ في بعض الفيديوهات دعاة لداعش على بعض القرى من اجل دعوة الناس الى الدين الحق. والدين الحق بالنسبة لهؤلاء هو الاسلام في نسخته الوهابية. في حين يقوم الدعاة بدعوة المسلمين الى الاسلام، تنتشر في دروس “العلماء” مفاهيم التوحيد الوهابية، ونبذ ما صنّفه ابن تيمية بالشركيات، وزرع حب القتال في نفوس الطلبة. ويغلب على طلاب العلم الاطفال دون الخامسة عشر، الذين يعدهم التنظيم، كما ورد على لسان احد الدعاة، كجيل من المجاهدين لمقاتلة جيوش الكفر والردة في القادم من السنين.

  • الطائفية الخالصة: بالتأكيد لن يقوم افراد داعش بإنشاء هيئة علمائية للتقريب بين المسلمين، او بإعمار الكنائس والاهتمام بدور العبادة واحترام الطوائف اللاوهابية ناهيك عن “رعايا” الدينيات الاخرى. هي دولة طائفية بإمتياز، لا مكان فيها للأخر. يستحيل ان تجد فيديو واحد دون سماع كلمة رافضي اومرتد اوكافر. هي دولة يسعى ابناؤها الى جعل الناس كلهم نسخة واحدة، فالمواطن الداعشي ان صحّ التعبير هو الملتحي حاف الشارب، مرتدي الجلابية الأفعانية او الباكستانية، منتعل الصندل الصحراوي والمزين لرأسه بلفحة سوداء. يدخل في احدى الفيديوهات داعشي الى محل للحلاقة ليطمئن ان كان الحلاق يقوم بعمله وفقا للشريعة الوهابية التي تحرّم مسّ اللحية، فيرد الحلاق الملتحي أنه سيتبّع سنّة نبيه محمد (ابن عبد الوهاب) ولو على حساب مدخوله الماديّ. اما المواطنات الداعشيات، فهنّ ظلال سود لامرئيات، بالكاد يظهرن في خلفيات بعض الصور. نسخة واحدة من كل شيء يسعون من خلالها الى القضاء على كل ما هو مختلف، شكلا ودينا ومذهبا.

  • غلبة المتكلمين باللغة العربية: في حين تتكون اغلب الفصائل الاسلامية من الوافدين من كافة “الأقطار الاسلامية”، الا ان الواجهة دئما ما تكون عربية، وخاصة من دول الخليج (السعودية بشكل اساسيّ) او العراق. فتواجود الدولة في عمق عربيّ يتتطلب منها مخاطبة اهل المنطقة اولا، وابراز نفسها كدولة الخلافة التي نشأ على التغني بأمجادها ابناء تلك البقعة من العالم. فالخليفة العربي القرشي، المكنى بابو بكر البغداديّ، والذي ابتدأ خطبته الاولى بنسخة طبق الأصل عن خطبة الخليفة الراشديّ الأول ابو بكر قد وجّه خطابه نحو العرب مدغدغا بالتالي الروح المذهبية لهم. وكأن حلم الشريف حسين في خلافة عربية واحدة، التي استطاع من خلاله حشد الجيوش العربية خلفه قد أستحضره البغدادي لنفس الهدف.

  • العنف المبالغ وتكحيله ببعض اللين: طبعا لا احتاج هنا الى الاضاءة على مستوى داعش العنفيّ، الذي يقوم التنظيم بإظهاره في كل فيديوهاته، حتى تلك التي لا علاقة لها بالقتال، لكنه في نفس الوقت يُظهر عناصره على ان لديهم لين في التعامل مع رعاياهم. فلا يتوانى معدي التقارير عن اظهار لقطات لرجال الحسبة وهم يقومون بتطبيق حدود ابن عبد الوهاب الشرعية في قطع رؤوس الرافضة والمرتدين والسحرة وايادي السارقين والقاء مثليي الجنس من على اسطح المرتفعات في حضور حشود غفيرة من اهل الاسلام، وفي نفس الوقت يتّبعون الحسنى مع اصحاب المحال التي تبيع المحرمات ويلقون عليهم الحجة باللين والكلام الجذّاب – على وزن اترضاه لأختك – ( والمحرمات هنا ليست الخمر او لحم الخنزير بالطبع بل في أقصى الحالات علب السجائر). كما ان مشاهد الذبح والدماء تظهر بشكل عادي وقد تكون في الخلفية لعدم اهميتها بالنسبة لهم.

المصيبة الكبرى ان شعوبنا العربية قد تربت على تلقي مثل هذه الأفكار، والسيطرة الوهابية، عبر المال السعوديّ، على المدارس الدينية الاسلامية  ما صبّت الا في صالح هذه المجموعة ومثيلاتها. فالطريقة الوهابية من المذهب الحنبلي والتي كانت تُعد الى البارحة اقلية محصورة في صحراء نجد، قد اضحت اليوم الأوسع انتشارا بين المسلمين عامة والعرب منهم خاصة، من التفاصيل الفقهية صولا الى القواعد العقدية للدين (كمفهوم التوحيد الثلاثيّ)، مرورا في ارساء فكرة الدولة الدينية كما رءاها يوما ابن تيمية والتي سارت عليه الاسرة السعودية فيما مضى. قد يكون قد فاتنا القطار اليوم لتدارك المصيبة التي ستحل علينا قريبا، الا انه لم يفت الاوان بعد لتحصين انفسنا من الخروج بأقل الخسائر الممكنة او ببساطة، وجودنا.

Advertisements

مضيق تيران والصراع العربيّ-الصهيونيّ

يبلغ عدد الجزر المصرية في البحر الأحمر 26 جزيرة من اصل 380 جزيرة، واهمها جزر شدوان، تيران وصنافير، وكلها جزر تقع شمالي البحر الأحمر. تقع جزيرة شدوان على مدخل خليج السويس حيث دارت معركة شدوان الشهيرة بين الجيش المصري والجيش الصهيوني عام 1970م. اما جزيرتا تيران وصنافير فتقعان في قلب مضيق تيران الاستراتيجي الذي يربط ما بين خليج العقبة، المطل على دول ثلاث وكيان، والبحر الأحمر.

لم يكن للإحتلال اي منفذ على البحر الأحمر في قرار تقسيم فلسطين عام 1948م. وبعد مرور شهر على اعلان اتفاقية الهدنة، زحفت قوات الاحتلال في اذار/مارس من عام 1949م جنوبا نحو ام الرشاش في خليج العقبة وانشأت ما سمي لاحقاً بميناء “ايلات”. المشكلة كانت انه وبالرغم من اطلاله على البحر الأحمر، لم يكن للكيان الجديد اي منفذ على البحر الأحمر لأن مضيق تيران الإستراتيجي الرابط بين خليج العقبة والبحر الاحمر، وبالتالي المياه الدولية، كان بيد المصريين. حيث كانت مصر تتحكم بحركة مرور السفن عبر تواجد المدفعية  الخفيفة المصرية في شرم الشيخ المطلة على المضيق.

وبعد اعلان الرئيس عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956م، شنت كل من بريطانيا وفرنسا وجيش الإحتلال هجوما ثلاثياً على مصر. كان هدف كل من بريطانيا وفرنسا معروفاً، اعادة القناة الى الحضن الغربي. اما جيش الاحتلال، فكان له هما اخر. فقد توجهت قواته جنوبا نحو شرم الشيخ حيث استطاعت السيطرة عليه لاحقاً. انتهت الحرب ولم تنسحب قوات جيش الاحتلال من شرم الشيخ الا بعد ضمانها حق المرور في المضيق عبر استقدام قوات دوليّة اليها وتحويل مضيق تيران الى مضيق دولي. فالمضيق الدولي يعطي لكل الدول الحق في ممارسة العبور البريء للسفن فيه, على عكس المضائق الاقليمية او الداخلية التي تستوجب من السفن العابرة موافقة الدول الساحلية المطلة عليها.

وهنا تجدر الاشارة الى اهمية التعاون اللصيق بين اثيوبيا من جهة وكيان الإحتلال من جهة اخرى، وعلى كافة الاصعدة، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. فأثيوبيا قامت باحتلال الساحل الاريتيري في سبيل كسر انغلاقها البريّ بالوصول الى متنفس على البحر الأحمر، وعملت جاهدة مع الكيان المحتل على تدويل مضائقه ومرراته. ولا يجدر دراسة تداعيات بناء سدّ النهضة الاثيوبيّ في النيل الازرق بمعزل عن القضية البحريّة.

في 14 ايار 1967 أمر الرئيس عبد الناصر قواته التوجه الى سيناء وطلب من القوات الدولية المعسكرة فيها الانسحاب الى ما وراء خط الهدنة. وبذلك أُغلق مضيق تيران امام سفن الإحتلال مرّة أخرى. سعت الولايات المتحدة الامريكية جاهدة الى حلّ أزمة الإحتلال عبر تأكيد ليندون جونسون، رئيس الحزب الديمقراطي في حينها، لضيفه ابا ايبان وزير خارجية الاحتلال ان بلاده ستحفظ حق الكيان الصهيوني بالمرور في المضيق.

في حزيران/يونيو من العام 1967م، شنّت قوات الاحتلال هجوما مفاجئاً على الاسطول الجويّ المصري بالتناغم مع احتلالها البريّ لغزّة ومهاجمتها للقوات المصرية في سيناء تحت غطاء ومساعدة الولايات المتحدة الأمريكية. انتهت حرب الايام الستة وهُزمت الجيوش العربية الثلاثة، المصرية، السورية والأردنية. وبذلك يكون الاحتلال قد بسط سيطرته، مرة اخرى، على المناطق الإستراتيجية المحيطة به في سيناء جنوباً ومرتفعات الجولان شمالاً.

اندلعت فيما بعد حرب 1973 وانتهت بتوقيع معاهدة السلام بين مصر والكيان المحتل, ومن نصّ الإتفاق: “…يعتبر الطرفان أن مضيق تيران وخليج العقبة من الممرات المائية الدولية المفتوحة لكافة الدول من دون عائق أو إيقاف لحرية الملاحة أو العبور الجوي. كما يحترم الطرفان حق كل منهما في الملاحة والعبور الجوي من وإلى أراضيه عبر مضيق تيران وخليج العقبة”. وبذلك تكون قد طويت مع تلك المعاهدة آخر صفحات الحرب المصرية-الصهيونية المتمحورة حول مضيق تيران بحصول الكيان المحتل على حقّ قانوني بالمرور في المضيق.

اليوم، وبعد مرور اقلّ من 45 عام على اتفاقية السلام، توصلّ الطرفين المصري، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والسعوديّ، برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز، بعد ترسيم الحدود بين البلدين الى أن جزيرتي تيران وصنافير تقعان داخل المياه الإقليمية السعودية.

القراءات المهمة حول الموضوع:

1- صراع القوى العظمى حول القرن الأفريقي، صلاح الدين حافظ 1982.

2- الولايات المتحدة والمشرق العربي، أحمد عبد الرحيم مصطفى, 1978.

العربيّ الهجين